تحل ذكرى رحيل أمير الشعراء أحمد شوقي، الذي نُصّب أميراً للشعر بجدارة، تاركاً بصمة لا تُمحى في الأدب العربي. لم يكن في عصره من يجاريه في روعة شعره أو يغترف من بحر الأدب مثله، فصدحت الألسنة بمدائحه، وطربت القلوب لكلماته.
ارتبط شوقي بعلاقة وثيقة بالخديوي عباس حلمي الثاني، الذي عينه رئيساً للقلم الأفرنجي. يروي ابنه حسين شوقي في كتابه "أبي شوقي" كيف اختار والده ضاحية المطرية ليكون قريباً من قصر القبة، حيث كان الخديوي يقضي أوقات فراغه، يدلل على مدى تعلقه به. حتى أنه رافقه في رحلاته الصيفية إلى الآستانة، واقتنى لهم منزلاً جميلاً في "بيوك دره" المطلة على مضيق البوسفور.
في تركيا، ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، أراد شوقي البقاء بجانب الخديوي المريض، لكن الأخير ألح عليه بالعودة إلى القاهرة، متوقعاً طول أمد الحرب وانضمام تركيا إلى الألمان. عاد شوقي بالفعل، ليُعزل الخديوي لاحقاً، ويجد كثير من الأصدقاء أنفسهم يخشون لقاء أمير الشعراء خشية الاتهام بمناصرة النظام القديم.
في ديسمبر 1914، نشر شوقي قصيدة في مدح السلطان الجديد، لكن أبياتاً فيها أغضبت السلطات، وبدأت الصحف تتحدث عن تحقيق مع الشاعر. في الأول من يناير 1915، دُعي شوقي للتحقيق معه فيما اعتبرته النيابة "مغازل سياسية". حاول شوقي تفسير موقفه ببيت شعري، معتقداً أن تولية السلطان كانت مؤقتة وأن عودة الخديوي ممكنة. لكن القصيدة، بما حملته من ألفاظ الحزن والدموع، لم تكن مناسبة لمقام التهنئة، وأثارت استياء السلطان.
بعد إطلاق سراحه، لزم شوقي داره، ولم يمدح السلطان حسين كامل أو يهنئه. وعندما أُلقيت قنبلة على السلطان في الإسكندرية، رأت الحكومة الفرصة مواتية للانتقام. في أغسطس 1915، أُمر شوقي بمغادرة مصر، فسافر مع أسرته إلى برشلونة بإسبانيا. كتب شوقي عن غربته بكلمات مؤثرة، واصفاً النفي بـ "الروعة" و"اللوعة"، ومستنكراً الظلم الذي تعرض له.
حزن شوقي بشدة على ترك والدته المريضة، وشعر بأنه لن يراها مجدداً. لم يرثِ شوقي السلطان حسين كامل أو رئيس الوزراء حسين رشدي، على عكس عادته في رثاء رؤساء الوزارات الذين شهد موتهم. وفي عام 1919، سُمح له بالعودة إلى مصر، لكن الحكومة المصرية أخرت حضوره لبعض الوقت.