رحلة دار الوثائق: من قلعة صلاح الدين إلى صرح حديث يحفظ تاريخ مصر

رحلة دار الوثائق: من قلعة صلاح الدين إلى صرح حديث يحفظ تاريخ مصر

معين برس- ثقافة: - منذ ساعتين

تُعد دار الوثائق القومية المصرية حارسًا أمينًا لذاكرة الأمة، فهي بمثابة كنز ثمين يحتضن بين جدرانه سجلات الماضي التي تروي قصصًا عن مسيرة مصر السياسية والاجتماعية والاقتصادية عبر العصور. هذه المؤسسة العريقة، التي بدأت رحلتها كـ"دفترخانة" في عهد محمد علي باشا عام 1828، قد خطت خطوات جبارة لتصل اليوم إلى مقرها الحديث في الفسطاط، الذي افتُتح عام 2015، مجهزًا بأحدث التقنيات لحفظ كنوزنا التاريخية.

إن الانتقال من المقار المتواضعة إلى هذا الصرح الحديث لم يكن مجرد تغيير في المكان، بل هو قفزة نوعية في مسيرة الحفاظ على التراث الوثائقي المصري. فقد شهد مبنى الفسطاط، الذي اكتمل بناؤه في مايو 2015 بتكلفة 120 مليون جنيه، تطورًا ملحوظًا في توفير بيئة مثالية لحفظ الوثائق، مزودة بمخازن متطورة، وورش للترميم، ومراكز للتدريب، وقاعات لاستقبال الباحثين، مما يمثل فصلًا جديدًا في تاريخ مؤسسة يعود عمرها إلى قرنين من الزمان.

تعود جذور دار الوثائق إلى عام 1828، عندما أمر محمد علي باشا بإنشاء "الدفترخانة" داخل قلعة صلاح الدين الأيوبي، لتكون مركزًا لجمع وتنظيم سجلات الدولة المتزايدة مع اتساع الجهاز الإداري. ومنذ ذلك الحين، مرت المؤسسة بتحولات عديدة، غيرت اسمها إلى "دار المحفوظات العمومية"، وشهدت إنشاء قسم للمحفوظات التاريخية في قصر عابدين عام 1932، بهدف جمع وثائق أسرة محمد علي وإتاحتها للدارسين.

وجاء عام 1954 ليحمل تحولًا جذريًا بعد ثورة يوليو، حيث صدر القانون بإنشاء "دار الوثائق التاريخية القومية"، لتنظيم عملية حفظ الوثائق التاريخية وإتاحتها للبحث والدراسة، معتبرة إياها نواة أساسية لكتابة التاريخ. ومع تزايد أهمية الدور، انتقلت الدار إلى مبنى كورنيش النيل، ثم أصبحت جزءًا من الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية عام 1993.

الحاجة الملحة لمساحات أكبر وتجهيزات متخصصة لحفظ الوثائق القديمة، التي تتطلب ظروفًا بيئية خاصة، دفعت إلى مشروع إنشاء المبنى الجديد في الفسطاط. هذا المشروع، المدعوم بسخاء من حاكم الشارقة، الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، يضم مخازن مؤمنة، ومراكز للترميم والصيانة، وقاعات للتدريب، ومتحفًا لعرض مقتنيات قيمة، ليكون بذلك مركزًا متكاملًا للعناية بالوثائق ودراستها وتعزيز الوعي بأهميتها.