في كشف علمي يعيد نسج خيوط التاريخ الغائب، نجح فريق بحثي بقيادة علماء آثار من جامعة إنسبروك في رسم خريطة تفصيلية لمدينة رومانية نائمة تحت ثرى منطقة النمسا السفلى؛ مستوطنة فريدة هُجرت منذ أكثر من 1800 عام، ويُرجح الباحثون بقوة أنها مدينة "كلاوديفيوم" التاريخية التي طواها النسيان زمناً طويلاً.
بدأت ملامح هذا البعث التاريخي في قرية "شتاين سانت بانتاليون-إرلا"، الواقعة بالقرب من موقع "دانوب ليمس" المدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو، حيث اعتمد العلماء منذ عام 2017 على أحدث تقنيات المسح المغناطيسي والراداري غير الجراحي والتصوير الجوي. وكشفت هذه الأدوات الدقيقة عن شبكة عمرانية متطورة تتألف من شوارع منتظمة للغاية، وأحياء سكنية، ومقبرة رحبة، ومجمع يُعتقد أنه كان مخصصاً للتخمير، فضلاً عن مدرج عملاق يتسع لنحو 8000 متفرج، وهو ما يمثل حجماً استثنائياً يروي قصة مجتمع نابض بالنشاط والحياة.
ويشير عالم الآثار جيرالد جرابهر إلى أن المدينة شُيدت وفق تخطيط هندسي مسبق ومحكم، وليس نمواً عشوائياً كالمعتاد حول القلاع؛ إذ امتدت على مساحة شاسعة تراوحت بين 25 و30 هكتاراً لخدمة حصن عسكري يضم 500 جندي فقط، وهو أمر غير مسبوق في تاريخ الإمبراطورية الرومانية. غير أن الفصل الأكثر إثارة في حكاية هذه الحاضرة يتمثل في رحيل أهلها، حيث تدل العملات والآثار على أنها عاشت عصرها الذهبي بين عامي 80 و180 ميلادياً، ثم هُجرت دون أي آثار لدمار أو معارك، في انسحاب منظم يتزامن مع التحولات الاستراتيجية عقب وفاة الإمبراطور ماركوس أوريليوس وقرار ابنه كومودوس تعزيز الدفاعات في الجوار.
وتؤكد المكتشفات الدقيقة، من أدوات صب البرونز ودبابيس الملابس المتطابقة، أن سكان المدينة حزموا أمتعتهم وانتقلوا برفقة الجيش للعيش في مدينة "لورياكوم" المجاورة والأسهل تحصيناً، ما يفسر تضاعف سكانها لاحقاً وتحول المستوطنة السابقة إلى محجر صامت. واليوم، تتطابق إحداثيات هذا الموقع الجغرافي بشكل مذهل مع الأوصاف التي خطّها الجغرافي القديم بطليموس لمدينة "كلاوديفيوم"، لتهدي الباحثين نافذة إنسانية نادرة تسبر أغوار مرحلة حاسمة من فصول التاريخ الإنساني.