هل آن للنقد أن يتعلم السباحة؟في دراسته «ما هي الإنسانيات الزرقاء؟ نحو أفق معرفي جديد في دراسة الماء والسياسة والثقافة»، المنشورة في مجلة القدس للبحوث الأكاديمية عام 2026، يفتح الباحث الدكتور محمد محرم بابًا للتفكير في علاقتنا بالماء. ومن هذا الباب يمكن أن نطرح سؤالًا عن أدبنا: ماذا لو قرأنا الأدب اليمني لا من اليابسة، بل من الماء؟
تقدّم الدراسة مدخلًا إلى هذا الحقل، وتستكشف إمكاناته في قراءة السياق العربي، من القدس وغزة إلى البحر الأحمر. وفي هذه القراءة، أحاول أن أمدّ السؤال إلى اليمن: إلى سواحله وموانئه، وأدبه وذاكرة أبنائه في المهجر.

يسأل محرم في طيات مشروعه البحثي بمرارة: أين هو الأدب اليمني في دراسات التغير المناخي والبيئة؟ ولماذا يبدو هذا الأدب هامشياً وغير مرئي في مشهد النقد البيئي العالمي؟ ويجيب بأن التغطيات العالمية وأغلب الدراسات الأكاديمية اختزلت اليمن وثقافته في "سرديات الصراع" والحروب والأزمات الإنسانية فحسب، مما حجب الرؤية عن الذاكرة البيئية والتاريخ المائي الحافل للمنطقة. يضاف إلى ذلك الهيمنة البرية للنقد التقليدي الذي يصر على قراءة الأدب من الأرض والجبل والقرية، متجاهلاً كيف يتفاعل النص اليمني مع التغيرات المناخية وسيولة البحار وتحولات السواحل. برأيي أن هذه الدراسة تضع الأدب والثقافة في قلب حقل صاعد عالميًا هو الإنسانيات الزرقاء، ذلك الحقل الذي لا يرى في البحر خلفية للقصيدة أو ديكورًا للرواية، بل يراه نصًا أولياً وأرشيفًا، وشريكًا في صناعة المعنى.
ولا تقف مساهمة محرم عند هذه الدراسة العربية؛ فهو أحد محرري دليل بلومزبري إلى الإنسانيات الزرقاء، إلى جانب ستيف منتز وسربيل أوبيرمان وساندرا يونغ. ويجمع هذا الكتاب، المرتقب صدوره سنة 2027، أصواتًا بحثية متعددة تتناول علاقة الماء بالأدب والثقافة والتاريخ والحياة. وإلى جانب دوره في تحرير الدليل، يشارك محرم مع الباحثة كيرستن كنوبف في تأليف فصل «ما بعد الاستعمار الأزرق» داخل الكتاب نفسه. وتجدر الإشارة إلى أن محرم كان أول من صاغ واقترح مصطلح ومفهوم «ما بعد الاستعمار الأزرق» في عام 2023، وقدّمه لأول مرة في مؤتمر علمي بجامعة كونستانس الألمانية، متناولاً كيفية التقاء التفكير بالماء بأسئلة الاستعمار والسلطة وإنتاج المعرفة؛ وهو إسهام تأصيلي يضاف إلى مقاله العربي المستقل في مجلة القدس.
ويمتد هذا الاشتغال إلى مساهماته الموسوعية المتعاقد عليها، ومنها مدخل «الإنسانيات الزرقاء» لموسوعة أكسفورد البحثية للعلوم البيئية، ودراسة عن تفكيك استعمار المعرفة البيئية وقراءة الإنتاجات الثقافية العربية من منظور ما بعد الاستعمار الأزرق لموسوعة سبرينغر عن الأنثروبوسين. وهما عملان قيد المراجعة، إلى جانب تعاقده على كتابة مدخل «الإنسانيات الزرقاء» لموسوعة أرابيكا التابعة للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. ويعمل أيضًا، بموجب عقد مع دار روتليدج، على كتاب في المفاهيم والكلمات المفتاحية للإنسانيات الزرقاء («الإنسانيات الزرقاء: الكلمات المفتاحية»). ويضيف هذا المشروع بُعدًا اصطلاحيًا وتعريفيًا إلى عمله، إلى جانب التأصيل النظري والتطبيقات النقدية. لقد ظل النقد البيئي التقليدي أسيرًا لما يسميه محرم "البرّية الخضراء"، أي أسيرًا للأرض والجبل والقرية، والحدود الجغرافية الثابتة. أما الإنسانيات الزرقاء، فهي انعطافة جذرية تقترحها الدراسة كبديل معرفي.
تقدم الانسانيات الزرقاء أطروحة جمالية دقيقة؛ فللماء شعرية خاصة. وفي تقديمه يستند محرم إلى الباحثين جوي ورويز في طرح مفهوم "الشعرية السائلة"، حيث تمنح سيولة الماء نفسها سيولة مفاهيمية تلغي الحدود الصلبة بين العلوم والآداب، وبين العلمي والجمالي؛ فالماء لا يُحكى عنه، بل يُحكى به.ومن هنا تأتي مقولة الناقدة الأمريكية هيستر بلوم التي تتبناها الإنسانيات الزرقاء كبيان: "البحر ليس استعارة". البحر ليس تشبيهًا لحزن الشاعر أو لاتساع روحه، بل هو كتلة مادية، وملوحة، وغرق، ونجاة، وتجربة جسدية حية.
لا تكتفي الدراسة بالتنظير الجمالي، بل تؤسس لعدة نقدية متكاملة، وهذا ما استوقفني كقارئ أولًا، وكاتب يفتش عن أدوات جديدة ثانياً، وكروائي يبحث عن لغة ثالثاً.
لقد اعتدنا أن نتعامل مع الماء في الرواية اليمنية كمنظر، كخلفية تبكي عليها الشخصيات أو تبحر فوقها، لكن ما تقترحه هذه الأطر يقلب الطاولة.
في النقد البيئي المادي، كما تذهب الباحثتان سيرينيلا إيوفينو وسربيل أوبيرمان، لم يعد الماء موضوعًا سلبياً نكتب عنه، بل فاعل يحمل قصصًا. الماء هنا يحكي: ملوحة عدن ليست وصفًا، بل ذاكرة؛ طمي حضرموت ليس مشهدًا، بل حكاية تتراكم. وهذا يفتح للروائي بابًا مختلفًا: أن يترك للماء أن يسرد بدلاً من أن يسرد عنه.
ولعل أجمل ما يضيء هذه العلاقة بالكائنات المائية ما يورده ستيف منتز في صفحة الشكر من كتابه مقدمة إلى الإنسانيات الزرقاء الصادر عن دار روتليدج. فهو يضع البيئة البحرية لشورت بيتش في كونيتيكت في مقدمة المتعاونين معه، ويذكر الطيور البحرية والأعشاب والأسماك والمحار وقناديل البحر. ويمكن أن نقرأ هذا الشكر بوصفه اعترافًا بأن معرفتنا بالماء تتشكل أيضًا من العيش مع هذه الكائنات وملاحظة حياتها.
ومن هذه الإشارة يمكن أن نفتح حوارًا مع ما تطرحه سو دونالدسون وويل كيمليكا في مقالتهما «الحيوانات السياسية» على منصة غلوبال سيت: أن للحيوانات فاعلية تتجلى في علاقاتها وحياتها المشتركة، وأن التفكير في السياسة يستدعي النظر في أشكال من التعاون واتخاذ القرار تتجاوز الإنسان. يلتقي هذا السؤال، في قراءتي، مع دعوة الإنسانيات الزرقاء إلى الإصغاء للكائنات التي نتقاسم معها الماء والعالم.
ثم يأتي النقد البيئي العنصري عند كوهين ودوكيرت ليذكرنا بأن العناصر الأربعة، وعلى رأسها الماء، ليست ديكورًا للأحداث، بل قوى مادية وثقافية تصنع الحدث نفسه. الريح التي تقلب قارب الصياد التهامي ليست ظرفًا جويًا، هي قرار سردي، هي سلطة تغير مصير الشخصية. وهنا يتحول الوصف من زينة لغوية إلى بنية روائية.
إنها ذلك الانتقال الدقيق من التفكير في الماء إلى التفكير مع الماء وبالماء. ومن هنا يطل السؤال: أين تكمن ذروة أهمية الدراسة للأدب اليمني؟
ترى الإنسانيات الزرقاء أن البحار أرشيف حي. فالبحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن والمحيط الهندي ليست مجرد ممرات جغرافية، بل هي أرشيفات مائية تحفظ سرديات العبودية والهجرة الحضرمية إلى شرق أفريقيا وجنوب شرق آسيا، والتبادل الثقافي، والغرق، واللجوء، كما ينبه بول جيلروي وإليزابيث ديلوفري.
إن قراءة رواية الهجرة اليمنية أو قصيدة الاغتراب لا تكتمل إذا ظل البحر مجرد خطر يعبر، بل يجب أن يُقرأ كشاهدٍ متجسد، كذاكرة سائلة تصنع الهوية.وحتى الأساطير — كحورية البحر في سواحل المهرة وسقطرى، أو قراءة أجساد الكائنات البحرية كالحبار العملاق بوصفها أشكالاً بديلة للكتابة والذاكرة — تصبح مدخلاً لكشف تشابكات النوع والاستعمار والسلطة.
اليمن، بتاريخها البحري الممتد من مملكة سبأ البحرية إلى موانئ المخا وعدن والحديدة، وبجغرافيتها التي تطل على أهم ممرين مائيين في العالم — البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن — وبأدبها الزاخر بالبحر من الشعر الشعبي التهامي إلى روايات المهجر الحضرمي، تكاد تكون غائبة تماماً عن حقل الإنسانيات الزرقاء في الأكاديميا العربية.
فحضور الماء في أدبنا — كما تشخص الدراسة — لا يزال حضورًا موضوعاتيًا، زخرفيًا، مناسباتيًا: بحر في قصيدة غزل، وموج في رواية حنين. ولم يتحول بعد إلى إطار منهجي ونظري منظم يقرأ الثقافة والسياسة والذاكرة اليمنية من منظور أزرق.
ولا يظل اتصال هذا المشروع باليمن مجرد احتمال نظري؛ إذ تتناول أعمال محرم البحثية وتطبيقاته النقدية الرواية والثقافة والموقع الجيوسياسي لليمن عبر شبكة واسعة من الدراسات والمشاريع: رواية «موكا سيتي» للروائي سمير محمد (2022): تقع الرواية في صلب اهتمام محرم؛ حيث يفرُد لها دراسة نقدية لمجلة «المنتقى» الصادرة عن مركز الدوحة للدراسات العليا بعنوان «تطبيق الإنسانيات الزرقاء على دراسات الخليج من خلال الرواية اليمنية موكا سيتي». كما يقرؤها ضمن مشروعه المتعاقد عليه مع مطبعة جامعة أكسفورد (ضمن سلسلة تقاطعات أكسفورد: الحدود) في دراسة بعنوان «التخوم المحيطية والإنسانيات الزرقاء العربية: قراءة في موكا سيتي اليمنية»، فضلاً عن بحث مقارن يجمع الرواية بكتاب أميتاف غوش «في أرض عتيقة» ينشر في مجلة دراسات جنوب آسيا عن دار روتليدج.
اللقاءات المحيطية والشتات اليمني: تتسع هذه الصلة في فصله المرتقب ضمن دليل بالغريف للقاءات المحيطية العالمية عبر التاريخ، والذي يتناول اللقاءات المحيطية العربية-الأسترالية في الأعمال الروائية التي تتناول اليمن. ويواكب ذلك بحثه المنشور في مجلة الأكاديميين المنفيين في الأكاديميا الغربية (دار بالغريف، 2025) عن تجربة الأكاديمي اليمني المنفي، ودراسته عن البحارة اليمنيين في أمريكا ضمن كتاب «إعادة تصور الدراسات العربية الأمريكية» الصادر عن مطبعة جامعة تكساس، إضافة إلى مقاله البحثي لمجلة «أراب أمريكانا» الصادرة عن مطبعة جامعة بنسلفانيا والموسوم «رؤية أمريكا بأعين يمنية: من حلم بعيد إلى واقع شتاتي».
الذاكرة المائية والوسائط المتعددة: يتناول محرم الذاكرة اليمنية العابرة للحدود من خلال فصول كتب متخصصة، مثل دراسته للبحر بوصفه أرشيفًا سائلًا للشتات اليمني في مجلد لدار بلومزبري («الذاكرة بوصفها أرشيفًا بحريًا»)، ودراسته لسرديات الذاكرة العابرة للوسائط لدى الشتات اليمني والسوري في مجلد لدار بريل («كتابة الشتات في القرن الحادي والعشرين»). كما يمتد اهتمامه إلى ذاكرة الحرب والطفولة، كما في دراسته لتمثيل الطفولة والذاكرة في حرب اليمن لمجلة «طيف» (مؤسسة تامر)، وقراءته لرمزية أطفال اليمن في المؤتمرات الدولية («عين بثينة: قراءة من منظور الإنسانيات الزرقاء لتجسيد ذاكرة أطفال اليمن»).
أصوات الساحل وسياسات الجزر: في مشروعاته البحثية والميدانية المتقدمة، يبرز اهتمام محرم بالأشكال الشفهية والجيوسياسية للماء في اليمن؛ فمن المحاضرات الميدانية وورش العمل حول الربط المائي بين اليمن والإمارات في جامعة نيويورك أبوظبي، إلى دراسته لملاحة سقطرى وسياسات العزلة والصراع الإقليمي عليها («دم الأخوين: التسلسل الزمني البحري والتنافس الخليجي وسياسات العزلة في سقطرى») في مجلة إيكوكريتيك. كما يوثق التاريخ الشفهي الساحلي في فصله المرتقب مع دار إدوارد إلغار («أصوات باب المندب: الشعر الشفهي والحكي الساحلي كمنهجيات مشاركة في الإنسانيات الزرقاء»).
استعادة تاريخ الأدب البيئي اليمني: تتوج هذه الجهود بمبادرات موجهة للمشهد الأكاديمي والثقافي المحلي، مثل أوراقه المقدمة لمؤتمرات دولية (كمؤتمر دكا 2026 مع أميتاف غوش وديبش شكرابارتي) عن «اليمن غير المرئي من خلال ما بعد الاستعمار الأزرق: الذاكرة المحيطية من المخا إلى بركاس وما بعدها»، ومقترحه العلمي المقدم لوزارة الثقافة والسياحة اليمنية بعنوان «الإنسانيات الزرقاء وما بعد الاستعمار الأزرق: نحو نقد بيئي أزرق يمني» ضمن المؤتمر المئوي للرواية اليمنية (1927–2027).
تبيّن هذه الأعمال الشاملة، مع اختلاف مراحل إنجازها ونشرها، أن اليمن حاضر في مشروع محمد محرم لا بوصفه مجرد موضوع مدوّن، بل بوصفه موقعًا رئيسيًا لإنتاج المعرفة الزرقاء، بما يحمله تاريخه وأدبه وثقافته من تجارب بحرية وذاكرات للهجرة والحرب والاتصال بالعالم.
من هنا تأتي دعوة الباحث محمد محرم، وهي دعوة تأسيسية بامتياز: توطين الإنسانيات الزرقاء في الأكاديميا اليمنية والعربية.. ليس استيرادًا لنظرية غربية، بل استعادة لذاكرتنا الزرقاء المطمورة، وقراءة أدبنا — من ملاحم البحارة إلى مراثي الغرقى إلى أناشيد الصيادين — بوصفه أدبًا محيطيًا بامتياز. إن الأدب اليمني، بكل ما فيه من ملح ومدّ وجزر، لم يكن يومًا أدب يابسة فقط.. لقد كان دائماً يُكتب بالماء.. وقد آن الأوان للنقد أن يتعلم السباحة.