في استعادة لنوادر زمن الأدب الجميل ودفء المقاهي المصرية، سلّط الكاتب الكبير يوسف إدريس في كتابه الشهير "فقر الفكر وفكر الفقر" الضوء على مفارقات إنسانية وطريفة جمعت بين عملاقي الفكر والقصة توفيق الحكيم ونجيب محفوظ، كاشفاً بأسلوبه الساخر والعميق عن رؤية كل منهما لإنفاق المال وسر ذلك "البخل الخفي" الذي نسج حوله الحكايات.
واستعرض إدريس الفارق النفسي البديع بين الأديبين؛ فبينما اتخذ الحكيم من شائعة البخل قناعاً مسرحياً معلناً ورداءً ينميه بذكاء ليدرأ به حرج الإنفاق محولاً الصفة من مذمة إلى نكتة يتسامح معها الجميع، كان نجيب محفوظ على النقيض تماماً، يعيش هاجساً تراجيدياً حقيقياً وخوفاً صادقاً من أن يُعرف عنه الشح أو يُتَّهم به، متحملاً عبء التظاهر المستمر بالكرم حتى لا ينكشف أمره أمام نفسه أو رفاقه.
وتجلت تلك الروح في طقوس جلسات المقاهي التي طالما ارتبطت بأديب نوبل؛ إذ كان محفوظ يحرص فور وصول أي جليس جديد على أن يبادر بطلب مشروب له كي يسبق الحرج، غير أنه ببراعة لا شعورية كان يقود الاختيار نحو بدائل محددة بتساؤله الشهير: "مضبوط ولا سادة؟"، ليحصر الأمر بين فنجان وآخر معلوم السعر سلفاً، حامياً نفسه من تكلفة الطلبات المفتوحة في المقهى أو أروقة جريدة الأهرام.
ويختتم إدريس روايته بمشهد إنساني كشف له سر شرود محفوظ المتكرر في خضم المناقشات الفكرية الكبرى، حين فاجأ الحاضرين في إحدى الجلسات بتصحيح دقيق لحساب النادل عند المغادرة مؤكداً: "أربعة شاي وثلاثة قهوة"، مما أظهر أن ذهنه كان مشتتاً ومحاصراً برصد الطلبات وفصل فناجين القهوة عن أكواب الشاي؛ في لمحة شديدة العفوية والصدق ترسم وجهاً بشرياً قريباً لأديب أثرى المكتبة العربية بعظائم الروايات دون أن يفقد تفاصيله اليومية المألوفة.