في خريف عمره الحافل بالبحث والتدوين، يفتح المؤرخ الفرنسي ميشال فينوك نافذة دافئة على الماضي عبر كتابه الصادر حديثاً عن دار "فلاماريون" بعنوان "سارتر للذاكرة"، مستعيداً في حوار متأخر وشديد الإنسانية الأثر الفكري والوجداني العميق الذي تركه فيلسوف الوجودية جان بول سارتر في تكوينه منذ أن كان فتى في السابعة عشرة من عمره، ليضع مسيرة فيلسوف فرنسا الأشهر أمام مرآة الذاكرة ومحاكمة التاريخ معاً.
تستند صفحات الكتاب إلى علاقة وجدانية بدأت مع القراءة الأولى لرواية "الغثيان"، حين دخل بطلها أنطوان روكنتان عالم فينوك الشاب، حاملاً معه أسئلة الوجود والحرية والتمرد.
هذا اللقاء المبكر لم يكن إعجاباً عابراً، بل شكّل صدمة أدبية وفلسفية رافقته طوال مسيرته، إذ يعود المؤرخ إلى ذلك الفيلسوف الذي ألهم جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية، وجعل من المقاهي وقاعات المحاضرات مسارح للجدل والشغف، والالتزام السياسي رسالة وجودية وأسلوب حياة، متجاوزاً الصورة الأكاديمية الصارمة إلى تجربة أدبية حية سكنت الوجدان.
غير أن استحضار فينوك لسارتر يتجرّد من أسر الحنين العاطفي، إذ يواجه المؤرخ بوعيه النقدي العثرات السياسية التي وقع فيها فيلسوفه المفضل.
ويسلط الضوء على المفارقة المؤلمة بين بلاغة سارتر الفكرية العميقة وانجرافه وراء الحماسة الأيديولوجية؛ إذ قاده انحيازه للثورة والتيارات الماركسية أحياناً إلى تغليب العقيدة على الوقائع وغض الطرف عن مآسي الشمولية، لا سيما في محطات قاسية كأزمة بودابست عام 1956 وحرب الجزائر، ليقدم قراءة متزنة تميز بين عبقرية الكاتب وسقطات الملتزم سياسياً.
ويمتد هذا الحوار الفكري ليشمل الخصومات التاريخية الكبرى التي خاضها سارتر مع رفاق دربه، كخلافه الشهير مع ألبير كامو حول مفهوم العدالة والعنف، وتباين مساره مع ريمون آرون، كاشفاً عن البعد الإنساني وراء حدة السجالات، ولطف سارتر الشخصي الذي كان يفيض في علاقاته بعيداً عن صخب المواقف المعلنة وتناقضاتها حيال قضايا كبرى كالشرق الأوسط.
كما يعرج فينوك على سيرة سارتر الذاتية "الكلمات"، مبرزاً مفارقة رغبة الفيلسوف في توديع الأدب وتفكيك أوهامه من خلال نص تحول هو نفسه إلى تحفة أدبية خالدة.
ويخلص فينوك في كتابه إلى تجاوز سيرة سارتر الفردية ليطرح تساؤلات حيوية تمس واقعنا الراهن حول دور المثقف في الشأن العام وحدود الاصطفاف العقائدي، في زمن تراجعت فيه رصانة النقاش إلى مجرد أحكام جاهزة. وبذلك يتحول "سارتر للذاكرة" من مجرد مراجعة تاريخية إلى تأمل شجي في معنى أن تصنع الأفكار مصير الإنسان، وكيف يظل الفكر قادراً على مرافقة مسار العمر بأكمله، بما يحمله من انبهار البدايات ونضج المراجعات المتأخرة.