في عالم يعشق الغموض ويكنّ للتشويق احتراماً خاصاً، تتصدر روايات الجريمة والغموض قائمة الأعمال الأدبية الأكثر شعبية، كما كشفت الكاتبة المتخصصة نهى داود في ورشة عمل أقيمت بمعرض الشارقة الدولي للكتاب. إنها ليست مجرد قصص عن جرائم، بل رحلة آسرة تأخذ القارئ في دروب العقل والمشاعر، محفزةً إياه على حل اللغز مع بطل الرواية.
استهلت داود ورشتها "كتابة روايات الجريمة والغموض.. الخلطة السرية" بالتأكيد على أن الرواية المؤثرة هي تلك التي تلامس العقل والقلب معاً، مقدمةً مزيجاً فريداً من الإقناع المنطقي والتأثير الوجداني. وأوضحت أن هذا النوع الأدبي يحظى بشعبية جارفة، سواء في المبيعات أو الاستعارة من المكتبات، مستشهدةً بسحر أجاثا كريستي الذي تجاوزت مبيعات أعمالها ملياري نسخة حول العالم.
تتجاوز جاذبية أدب الجريمة مجرد الإثارة؛ فهو يحفز العقل على التحليل الدقيق، وربط الأدلة، والتفاعل مع شخصيات قد تثير فينا مشاعر التعاطف أو الرغبة في تحقيق العدالة. والأكثر من ذلك، أن هذه القراءات قد تمنحنا جرعة من السعادة، حيث يفرز العقل هرمونات مرتبطة بالبهجة مثل الدوبامين والسيروتونين والإندورفين.
ولم تغفل داود عن جذور هذا الأدب في تراثنا العربي، مشيرةً إلى قصة "التفاحات الثلاث" من "ألف ليلة وليلة" كأقدم عمل أدبي يتناول جريمة غامضة، حيث تتكشف أحداثها في زمن الخليفة هارون الرشيد. كما ألقت الضوء على استمرارية تأثير شخصيات أيقونية مثل شيرلوك هولمز، التي ما زالت تأسر الألباب بعد قرن من الزمان بفضل ذكائها الاستثنائي وتركيبتها الإنسانية المعقدة.
وشددت داود على أن ليس كل عمل يتضمن جريمة هو بالضرورة رواية بوليسية، فالجوهر يكمن في وجود من يسعى لكشف الحقيقة وحل اللغز. وقدمت لمحة عن الأنماط الستة الرئيسية لهذا الأدب، بدءاً من الجريمة التقليدية وصولاً إلى جريمة التجسس، موضحةً خصائص كل نمط وكيفية بنائه.
في ختام ورشتها، استعرضت داود العناصر الأساسية لبناء رواية جريمة ناجحة، من الجاني والضحية والدافع، مروراً بتقنيات التشويق مثل "الرنجة الحمراء" و"بندقية تشيخوف"، وصولاً إلى أهمية الافتتاحية الجذابة التي تشد القارئ من اللحظة الأولى. واستعانت بقصة النبي يوسف عليه السلام كنموذج لتوضيح كيف يمكن لتفاصيل تبدو بسيطة أن تتطور إلى حبكة معقدة تقود في النهاية إلى كشف الحقيقة وتحقيق العدالة.