في قلب مدينة طروادة الأسطورية، حيث تتردد أصداء التاريخ القديم، كشف علماء الآثار عن اكتشاف يلامس الروح الإنسانية: ناى مصنوع من العظم يعود تاريخه إلى 2800 عام، ليصبح أول آلة موسيقية مكتشفة في الموقع، ويقدم دليلاً ملموساً على الحياة الموسيقية في عصر هوميروس.
منذ أن بدأ عالم الآثار هاينريش شليمان رحلته الاستكشافية في أطلال طروادة عام 1870، لم تتوقف كنوز المدينة القديمة عن الظهور. وعلى مدار قرن ونصف، شهد الموقع الأثري شمال غرب تركيا الكشف عن كنوز مذهلة، من تيجان ذهبية براقة وكؤوس نبيذ مزخرفة، وصولاً إلى أسلحة تعود إلى العصر البرونزي المتأخر. والآن، ينضم إلى هذه القائمة قطعة أثرية فريدة، ناى عظمي يحكي قصة آلاف السنين.
وقد أعلن وزير الثقافة والسياحة التركي، محمد نوري إرسوي، عن هذا الاكتشاف البديع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكداً أنه يمثل أول بصمة أثرية مباشرة للحياة الموسيقية في طروادة. وعلى الرغم من أن النصوص القديمة وأدلة من مناطق أخرى في الأناضول أشارت إلى الدور الحيوي الذي لعبته الموسيقى في الطقوس الدينية والحياة الاجتماعية، إلا أن الأثر المادي كان غائباً حتى الآن. هذا الناي، الذي عُثر عليه في طبقة أثرية تعود إلى القرن الثامن قبل الميلاد، أي تقريباً في الفترة التي صاغ فيها هوميروس ملحمته الخالدة "الإلياذة" و"الأوديسة"، يملأ هذا الفراغ ويكشف عن جانب جديد من حضارة طروادة.
يُعد هذا الاكتشاف لافتاً بشكل خاص، فقد تزامن مع اهتمام متزايد بألحان الموسيقى القديمة. ففي وقت سابق من هذا العام، استلهم الموسيقي لودفيج جورانسون آلة موسيقية مشابهة لتأليف لحن مؤثر في فيلم ضخم مستوحى من "الأوديسة". هذا الناي القديم، الذي يعود إلى حقبة عاش فيها هوميروس، وفي نفس العام الذي عادت فيه "الأوديسة" بقوة إلى المخيلة الشعبية، يمثل "صدفة مثيرة للاهتمام" من منظور تاريخ التنقيب، كما وصفها رئيس فريق التنقيب، روستم أصلان. إلى جانب الناي، عثر الفريق أيضاً على رأس تمثال بشري يعود تاريخه إلى 4500 عام، والذي يُرجح أنه كان له استخدامات دينية أو طقسية، وهو اكتشاف نادر لا يُرى سوى بضع قطع مشابهة له في تاريخ التنقيبات بطروادة.