في قلب عام 1926، اشتعلت ساحة الصحافة المصرية بمعركة فكرية ضارية حول كتاب الدكتور طه حسين "في الشعر الجاهلي". لم تكن مجرد مناقشة أدبية، بل تحولت إلى أزمة كبرى حاصرت عميد الأدب العربي، متجاوزة حدود النقد الأكاديمي لتلامس عقيدته ومستقبله المهني.
بدأت شرارة الأزمة في 13 مايو 1926، عندما نشرت صحيفة "الأهرام" رسالة مؤثرة من طه حسين إلى مدير الجامعة المصرية، أحمد لطفي السيد. في هذه الرسالة، حاول حسين الدفاع عن نفسه أمام الاتهامات التي طالته بسبب كتابه، لكن سرعان ما تحول الجدل. فبعد يوم واحد، نشرت "الأهرام" ردًا يلمح إلى محاولته التمسك بمنصبه الجامعي. لم تتوقف المقالات عند هذا الحد، بل تصاعدت المطالبات بتراجعه عن أفكاره، وكشفت التغطيات الصحفية والمراجع التاريخية أن النقاش حول صحة الشعر العربي القديم امتد ليطال عقيدة المؤلف نفسه، وصولًا إلى المطالبة بمحاسبته وإبعاده عن الجامعة.
تُعد وثائق "الأهرام" آنذاك، بالإضافة إلى كتابات أنور الجندي مثل "المعارك الأدبية في مصر منذ 1914 إلى 1939"، شاهدًا على عمق الأزمة. فقد وثقت "الأهرام" رسالة طه حسين، ومقالات حادة من عبد الباقي سرور نعيم، وعبد ربه مفتاح، وعبد المتعال الصعيدي. ومن جانبها، سلطت صحيفتا "السياسة" و"كوكب الشرق" الضوء على انتقال الأزمة إلى أروقة مجلس النواب، حيث كانت "كوكب الشرق"، المرتبطة بحزب الوفد، من أبرز المنابر التي نشرت الاعتراضات، بينما ارتبطت "السياسة" بحزب الأحرار الدستوريين، الذي كان حسين قريبًا من بعض رموزه.
في 12 مايو، اتهم عبد المتعال الصعيدي في مقال بعنوان "في الشعر الجاهلي.. سرقات مؤلفه" طه حسين بالاعتماد على أفكار المستشرق الإنجليزي ديفيد صموئيل مرجليوث. هذا الاتهام نقل المعركة من مجرد الاعتراض على النتائج إلى التشكيك في أصالة ومصادر الكتاب، وربط أفكار المؤلف بمواقف المستشرقين من التراث العربي. ورغم أن الاتهام بالاقتباس يحتاج إلى مقارنة دقيقة للنصوص، إلا أنه أضاف بعدًا جديدًا للجدل.
في اليوم التالي، 13 مايو، رد طه حسين برسالة إلى أحمد لطفي السيد، مؤكدًا أنه مسلم يؤمن بالله ورسله واليوم الآخر، وأنه لم يقصد الإساءة إلى الدين، نافيًا أن تكون محاضراته قد تعرضت للأديان. هذه الرسالة كشفت عن انتقال الأزمة إلى علاقة الأستاذ بمؤسسته الجامعية، حيث باتت أهليته للتدريس محل اتهام، إلى جانب آرائه العلمية.
تطور النقاش بشكل ملموس في الأيام التالية. ففي 14 مايو، تناول عبد الباقي سرور نعيم أفكار حسين المتعلقة بإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وشكك في دوافع رسالته. وفي 18 مايو، طالب عبد ربه مفتاح في مقال بعنوان "الآن وقد عصيت من قبل" طه حسين بإعلان تراجعه العلني عن أفكاره. هذه المطالبات تجاوزت حدود المناقشة الفكرية لتشترط تراجعًا علنيًا، وتربط موقفه بمستقبله الوظيفي.
بلغت الأزمة ذروتها السياسية في سبتمبر 1926، عندما وثقت "الأهرام" تحركات نيابية للاعتراض على استمرار طه حسين في منصبه. بل وصل الأمر إلى اقتراح من النائب عبد الحميد البنان يتضمن إعدام نسخ الكتاب وإحالة المؤلف إلى النيابة. هنا، لم تعد القضية مجرد جدل أدبي، بل تحولت إلى قضية مصير الكتاب وصاحبه داخل مؤسسات الدولة، لتكشف التسلسلات الصحفية عن حجم التحدي الذي واجهه عميد الأدب العربي في مسيرته.