في تحفة أدبية جديدة، تعيد الكاتبة التركية البارزة إليف شفق صياغة قصة "مدام بوفاري" من منظور جريء، مستكشفةً تعقيدات العلاقة بين المؤلف وشخصيته الخالدة، جوستاف فلوبير. روايتها "In One Brief Moment All Eternity" تنطلق من رحم التردد الإبداعي، حيث نجد فلوبير في لحظة انكسار ينهي حياة بطلته التي وصفها بأنها المرأة الوحيدة التي أحبها.
تدور الرواية حول صوت إيما بوفاري نفسها، التي تعبر عن غضبها من مؤلفها الذي حرمها فرصة التعلم من أخطائها، متسائلةً بمرارة: "هل لأنني امرأة؟" هذا التساؤل يمثل جوهر العمل، الذي يستكشف رؤيتين متناقضتين لفلوبير: أحدهما شغوف بإبداعه، والآخر يبدو كارهًا للنساء. الرواية الضخمة، التي تمتد لـ 600 صفحة، تتعمق في حياة فلوبير من زوايا متعددة، مانحةً إيما بوفاري صوتًا تستحضر من خلاله أصوات ثلاثين شخصية نسائية، سواء كن بشرًا أو مجرد أطياف صادفها فلوبير في حياته.
تُبرز شفق موهبتها الفريدة في منح صوت لكل ما حولها، وهو ما لمسناه سابقًا في روايتها "جزيرة الأشجار المفقودة" حيث كانت الشجرة بطلة القصة. هذا الأسلوب يعكس فلسفة شفق الأدبية، وقد يجد فلوبير نفسه منجذبًا إليه، متذكرًا قوله الشهير: "الكتابة أمرٌ ممتع للغاية؛ فاليوم مثلاً، عشتُ في آنٍ واحدٍ دور الرجل والمرأة، العاشق والمعشوقة...".
تُقدم شفق رؤية ثاقبة ومؤثرة للشخصيات المحورية في حياة فلوبير: أمه المتسلطة، أخته التي لم يتعافَ من صدمة وفاتها، وابنة أخته التي عشقها وسمح بزواجها التعيس، وعشيقته التي حاولت انتشال وحدته. كما تتألق موهبة شفق في بناء الشخصيات الثانوية، حيث تعود بنا إلى فوضى القرن التاسع عشر وزخمه، مقدمةً شخصيات مثل امرأة قاتلة، وأختها المتنكرة في زي رجل لتعليم فلوبير الصغير، وزوجة المدعي العام التي تسخر من هواية زوجها السرية في كتابة الشعر الإباحي.
إنها رواية تتجاوز حدود الزمن، تعيد إلى الأذهان قوة السرد الأدبي وقدرته على إحياء الأصوات المنسية، وتقدم لنا إليف شفق ببراعة كاستاذة في فن نسج القصص وإعادة اكتشاف الشخصيات الخالدة.