في مشهد إنساني مهيب حبس أنفاس العالم، تحولت شوارع العاصمة المصرية في الأول من أكتوبر عام 1970 إلى طوفان بشري جارف، حيث ودعت الملايين الزعيم الراحل جمال عبد الناصر في واحدة من أضخم الجنازات الشعبية في التاريخ الحديث، بمشاركة ثلاثين رئيس دولة ومائة وفد رسمي وقادة حركات التحرر من مختلف بقاع الأرض.
فاضت القاهرة بحشود غير مسبوقة تلاقت فيها مشاعر الحزن والوفاء، إذ تدفق ملايين المواطنين من شتى المحافظات عبر القطارات والمركبات، بينما اختار الآلاف السير على أقدامهم طوال الليل ليصلوا مع بزوغ الفجر، بحسب ما وثقه الدكتور منصور فايز في مذكراته. وانطلقت الجنازة من مقر مجلس قيادة الثورة بالجزيرة بعد نقل الجثمان بمروحية من قصر القبة، لتتحرك عربة المدفع الحاملة للنعش الملفوف بعلم الجمهورية العربية المتحدة، وخلفها سار أبناء الراحل إلى جانب قادة العالم وسط أجواء خيم عليها النحيب والصدمة.
ولم تتمالك الجماهير المحتشدة عواطفها الجياشة فور عبور الموكب كوبري قصر النيل، فاندفعت الجموع نحو النعش في محاولة أخيرة لملامسته ووداع صاحب المسيرة الطويلة، مما أدى إلى توقف حركة السير تماماً لعدة ساعات. وأمام هذا الزحام العارم، اضطر القائمون على الجنازة إلى نقل الجثمان إلى مركبة مدرعة بعد تغيير العلم الذي التف حوله عدة مرات، وظل الطوفان البشري محيطاً بالموكب حتى وصل بعد الظهر إلى مسجد عبد الناصر بمصر الجديدة، حيث وُوري الثرى في وداع أسطوري لم تشهد البلاد له مثيلاً.
وقد وصفت صحيفة "الجارديان" البريطانية تلك اللحظات بأنها الأكثر تأثيراً وإثارة في العصر الحديث، مع تقديرات بمشاركة نحو خمسة ملايين إنسان في شوارع القاهرة وحدها، إلى جانب جنازات رمزية انطلقت في مختلف العواصم العربية. وسجل الكاتب الفرنسي جان لاكوتير هذا المشهد التاريخي مؤكداً أن الملايين على ضفاف النيل كانوا يترقبون حدثاً خارقاً للعادة يعكس المكانة الكبرى للرئيس الراحل، الذي ظل طوال ثمانية عشر عاماً ملء السمع والبصر ورمزاً لأحلام وطنه وأمته.