لم تكتفِ السينما المصرية بسرد القصص الخيالية، بل سلكت طريقًا آخر لاستعادة حياة عظماء الأدب والفن، محولةً تجاربهم الشخصية، نجاحاتهم وإخفاقاتهم، إلى أعمال سينمائية خالدة. من نغمات سيد درويش إلى صوت أم كلثوم الأيقوني، ومن إبداعات الأدباء إلى بريق المسرح، حاولت هذه الأفلام أن تقربنا من عوالم المبدعين، وتسلط الضوء على الظروف التي شكلت فنهم والعلاقات التي أثرت في مسيرتهم.
على الرغم من أن أفلام السيرة الذاتية لم تكن تيارًا إنتاجيًا ثابتًا في السينما المصرية، إلا أن بعضها ترك بصمة لا تُنسى. نتذكر فيلم "سيد درويش" الذي جسد رحلة "فنان الشعب"، وفيلم "قاهر الظلام" الذي روى قصة عميد الأدب العربي طه حسين، وصولًا إلى فيلم "حليم" الذي قدم رحلة "العندليب الأسمر". أما فيلم "الست"، الذي عُرض مؤخرًا، فقد أعاد أم كلثوم إلى الشاشة، ليفتح الباب أمام اهتمام أكبر بسير المطربين والمسرحيين، مقابل عدد محدود من الأفلام التي تناولت حياة الأدباء.
فيلم "سيد درويش" عام 1966، كان بمثابة رحلة عبر الزمن نستعيد فيها نشأة الموسيقار السكندري وأبرز محطاته الفنية، وألحانه التي ارتبطت بالتحولات الوطنية. جسد الفنان كرم مطاوع شخصية سيد درويش ببراعة، ليقدم الفيلم مزيجًا بين الفن والحياة الوطنية، وكيف نسجت الأغنية المصرية خيوطًا من روح العصر.
أما عميد الأدب العربي، طه حسين، فقد حظي بتقدير سينمائي في فيلم "قاهر الظلام" عام 1978. الفيلم يرصد مسيرته المُلهمة، من طفولته في قرية المنيا، وتغلبه على فقدان بصره، وصولًا إلى مكانته كرمز للتنوير. محمود ياسين قدم أداءً استثنائيًا لشخصية طه حسين، في عمل سينمائي نادر يحتفي بمسيرة أديب ومفكر.
لم يقتصر الاحتفاء على الموسيقيين والأدباء، بل امتد ليشمل نجومًا من عالم الرقص والمسرح. فيلم "شفيقة القبطية" عام 1963، استلهم حياة الراقصة الشهيرة ليقدم دراما إنسانية مؤثرة، ركزت على صراعاتها الشخصية وعلاقاتها. وكذلك فيلم "بديعة مصابني" عام 1975، الذي أضاء على حياة الفنانة الاستعراضية ودورها في تأسيس كازينو بديعة، ليقدم لمحة عن تاريخ الحياة الفنية في القاهرة.
أم كلثوم، "كوكب الشرق"، لم تغب عن الشاشة. فيلم "كوكب الشرق" عام 1999، بطولة فردوس عبد الحميد، حاول الاقتراب من إنسانة خلف الأسطورة، متناولًا علاقاتها الشخصية والسياسية. وبعد أكثر من ربع قرن، عادت سيرتها إلى السينما في فيلم "الست" عام 2025، برؤية جديدة قدمتها منى زكي، ليؤكد الفيلم على استمرارية حضور أم كلثوم في الذاكرة الفنية المصرية، وقدرة قصتها على إعادة القراءة.
ولعل التجربة الأكثر تميزًا هي تلك التي قدمها المخرج يوسف شاهين، الذي لم يكتفِ بتقديم سيرة ذاتية واحدة، بل نسج من حياته "رباعية سينمائية" بأفلام مثل "إسكندرية ليه؟" و"حدوتة مصرية". شاهين لم يسرد الوقائع فحسب، بل مزج الذاكرة بالخيال، ليطرح أسئلة عميقة عن الهوية والوطن والحرية.