اكتشاف أثري فريد في إيران يلقي ضوءاً جديداً على تقاليد الدفن الزرادشتية خلال أواخر العصر الساساني. عثر علماء الآثار بالقرب من مدينة استخر التاريخية على نقش جنائزي نادر بالخط البهلوي، يوثق طقوساً عقائدية عميقة كانت سائدة في بلاد فارس القديمة، ويقدم دليلاً ملموساً على ارتباط المعتقدات بالبيئة المحيطة.
يوضح عالم الآثار أبو الحسن أتابكي، قائد فريق البحث، أن انتشار الزرادشتية أحدث تحولاً جذرياً في ممارسات الدفن، حيث تخلت المجتمعات عن الدفن تحت الأرض واتجهت نحو المواقع المرتفعة والجبلية. يعود هذا التغيير إلى اعتقادهم بأن الأجساد الميتة تلوث العناصر الطبيعية المقدسة كالتربة والماء والنبات، وارتباطهم بين الموت والعالم السفلي المظلم. كان الهدف الأسمى هو حماية الطبيعة وتيسير رحلة الروح نحو النور.
تضمنت الطقوس الجنائزية وضع الجثث في أماكن مرتفعة لتعريضها لأشعة الشمس، في طقس يُعرف باسم "خورشيد-نيغاهريشني". كانت الطيور الجارحة والحيوانات الكانسة تتولى مهمة إزالة اللحم، ثم يقوم أفراد المجتمع بجمع العظام ووضعها بعناية في تجاويف صخرية. هذه الممارسات تحمل تشابهاً مع اكتشافات سابقة في أوزبكستان، مما يدل على انتشار هذه التقاليد.
لم تكن طرق الدفن موحدة، بل كانت تعكس الطبقة الاجتماعية والثروة. فالقبور المنحوتة في الصخر والتلال الحجرية كانت حكراً على النخبة والأثرياء، بينما استخدمت طبقات المجتمع الأخرى أبراج الدفن أو الدفن في جرار وأواني حجرية، مثل "الدخماك" المذكورة في النصوص الساسانية.
يُعد سهل مرودشت كنزاً أثرياً بامتياز، حيث تم فحص أكثر من 50 نقشاً ساسانياً، مما يجعله أكبر تجمع معروف للنصوص الجنائزية لتلك الحقبة. هذا الاكتشاف الجديد يضاف إلى سلسلة الاكتشافات الهامة في السهل، والتي تساهم في فهم أعمق لتاريخ الإمبراطورية الساسانية وقرونها الأخيرة.