في تحول لافت يعكس عمق الأزمات المعاصرة التي تواجه الذاكرة الإنسانية، كشفت دراسة حديثة لـ "صندوق الآثار العالمي" أن شح التمويل الحكومي تصدر قائمة الأخطار التي تهدد المعالم التراثية حول العالم، متقدماً على كوارث التغير المناخي والنزاعات المسلحة، مما يضع الهوية الثقافية للشعوب أمام اختبار حقيقي للبقاء.
تأتي هذه التحذيرات بالتزامن مع التحضير لإعلان "قائمة مراقبة المعالم العالمية لعام 2027"، والتي تصدر بانتظام كل عامين منذ عام 1996 لمد يد العون للمواقع المهددة بالاندثار؛ إذ سجلت الدورة الحالية إقبالاً قياسياً بلغ نحو 372 طلباً للاستغاثة والصيانة، وهو ما يعادل ضعف ما استقبلته الدورة السابقة تقريباً. وأظهرت البيانات الإحصائية أن 65% من مسؤولي المواقع يرون في غياب الدعم المالي عائقاً أساسياً يحول دون صون حكايات الماضي، في قفزة مقلقة تعكس تفاقم التحديات الاقتصادية.
ودقت بينيديكت دي مونتلور، الرئيسة التنفيذية للصندوق، ناقوس الخطر إزاء اتجاه حكومات كبرى في الغرب نحو تقليص ميزانيات الحماية الثقافية وجعلها الضحية الأولى لخطط التقشف. واستندت دي مونتلور إلى تقرير لمنظمة اليونسكو يوضح أن دولة واحدة فقط من بين كل أربع دول في العالم تملك القدرة المالية الكافية لحماية إرثها الثقافي، الأمر الذي يضع المجتمعات المحلية في مواجهة شاقة للحفاظ على شواهد تاريخها بموارد شحيحة للغاية.
ولا تقف التحديات عند حدود عجز الموازنات، بل تمتد لتطال أرواح الحرفيين؛ إذ حلت أزمة نقص الكفاءات الفنية ثانيةً بنسبة 35%، مما يهدد باندثار مهارات الصيانة التقليدية المتوارثة بين الأجيال. وجاءت تقلبات المناخ من فيضانات وجفاف في المرتبة الثالثة بنسبة 30% مع تركز وطأتها في أفريقيا جنوب الصحراء، في حين ظلت النزاعات المسلحة والحروب الهاجس الأكبر الذي يمزق استقرار المواقع الأثرية في الشرق الأوسط وأفريقيا.
ورغم قتامة المشهد، يؤكد القائمون على الدراسة أن حماية التراث ليست ترفاً يمكن الاستغناء عنه، بل هي صمام أمان اقتصادي واجتماعي يسهم في خلق فرص العمل وإنعاش المدن عبر السياحة المستدامة. ودعت بريندا سومايا، رئيسة لجنة الخبراء في البرنامج، إلى ابتكار نماذج تمويل وشراكات دولية تجمع الحكومات والقطاع الخاص، لضمان صمود هذه الأماكن التي تختزل ذاكرة الإنسان، في وقت تقدم فيه اليونسكو دعماً سنوياً يقدر بمليون دولار يتوزع على أكثر من 1200 موقع تراثي يقاوم الاندثار حول العالم.