تكشف عالمة المصريات البارزة، الدكتورة سليمة إكرام، عن كيف تفتح مومياوات الإنسان والحيوان نافذة فريدة على أنظمة غذاء المصريين القدماء، ومعتقداتهم العميقة، وبيئتهم، وحتى علاقاتهم المعقدة بالحيوانات. وتشدد على أهمية دور الباحثين المصريين في قيادة هذا المجال المستقبلي.
بدأت رحلة الدكتورة إكرام مع سحر الحضارة المصرية القديمة في سن مبكرة، عندما زارت المتحف المصري بالقاهرة وهي في التاسعة والنصف من عمرها، وشعرت بانجذاب عميق لتفاصيل التماثيل المرسومة للأمير راهوتب وزوجته نفرت، لدرجة أنها ظنت للحظة أنها حقيقية. هذه اللحظة، إلى جانب زيارة الهرم الأكبر، رسخت عزمها على أن تصبح عالمة مصريات. تحول هذا الشغف الطفولي إلى مسيرة مهنية مذهلة، تجاوزت دراسة الملوك والمعالم الأثرية لتغوص في تفاصيل الحياة اليومية، والغذاء، والتفاعل مع الحيوانات والبيئة في مصر القديمة.
بصفتها أستاذة متميزة في علم المصريات بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، تخصصت الدكتورة إكرام في علم آثار الحيوان، وأكملت درجة الدكتوراه في إنتاج اللحوم في مصر القديمة. لم تكتفِ بذلك، بل أسست وأدارت مشروع مومياوات الحيوانات، الذي أعاد فحص مجموعة المتحف المصري باستخدام تقنيات متطورة وغير مدمرة، وساهم في إعادة تصميم عرض هذه المومياوات، مما أضفى عليها حياة جديدة في أعين الزوار.
في حوار مع مجلة "نيتشر أفريكا"، تحدثت الدكتورة إكرام عن الدروس المستفادة من مومياوات الإنسان والحيوان، والتي تكشف عن جوانب متعددة من حياة المصريين القدماء وموتهم. وأشارت إلى أن دراسة المومياوات تمنح نظرة واقعية وتقبلاً للموت، وتلهم بتقدير عميق للحب والواجب والإيمان الذي دفع المصريين القدماء إلى بناء معتقدات راسخة حول الحياة بعد الموت. كما تسلط الضوء على العلاقة المثيرة للاهتمام بين الإنسان والحيوان، حيث رأى المصريون القدماء في الحيوانات حاملاً للمعرفة، وفي الوقت نفسه، استخدموها لخدمة أغراضهم، مع الحفاظ على مفهوم "ماعت" الذي يمثل التوازن والعدل والنظام، وهو ما قد ينعكس على علاقتهم بالبيئة.
تصف الدكتورة إكرام العمل الميداني في الصحراء الغربية المصرية، خاصة حول واحة الخارجة، بأنه مليء بالتحديات بسبب طبيعة الصحراء وصعوبة الوصول إليها. هذه الظروف علمتها أهمية المرونة، والقدرة على مواجهة الطوارئ غير المتوقعة، واختيار فريق عمل كفؤ لا يعتمد على الكفاءة فحسب، بل على قوة الشخصية والقدرة على التحمل. هذه الدروس القيمة تمتد لتشمل جميع جوانب حياتها، وليس فقط العمل الميداني.
تؤكد الدكتورة سليمة إكرام على ضرورة التعامل مع البقايا البشرية والحيوانية باحترام بالغ، مع إدراك الاختلافات الجوهرية في طبيعة التفاعل بين موقع التنقيب والمتحف، وبين البقايا نفسها.