تتزايد بصمة الذكاء الاصطناعي في سوق العمل، وتحديداً في فرص الشباب والخريجين الجدد، حيث تشير بيانات حديثة إلى تراجع ملحوظ في بعض المهن التي يمكن للذكاء الاصطناعي التعامل مع جزء كبير من مهامها، خاصة في مجالات البرمجة وخدمة العملاء. هذا التحول يدفع طلاب الجامعات والخريجين إلى إعادة تقييم تخصصاتهم والمهارات المطلوبة لدخول عالم الوظائف.
وفقاً لتقرير نشرته صحيفة Financial Times، كشفت أبحاث من جامعة ستانفورد أن معدلات التوظيف بين مطوري البرمجيات الشباب (22-25 عامًا) انخفضت بنسبة 19% مقارنة بزملائهم في مجالات أقل تأثراً بالذكاء الاصطناعي. ولم يقتصر الأمر على البرمجة، بل امتد ليشمل وظائف خدمة العملاء، بينما لوحظ نمو في التوظيف لدى الشباب في المهن الصحية التي تتطلب تفاعلاً بشرياً مباشراً.
يعود السبب وراء تأثر الشباب قبل أصحاب الخبرة إلى أن الوظائف المهنية غالباً ما تبدأ بمهام أولية يمكن للموظفين الجدد القيام بها تحت الإشراف، مثل كتابة أجزاء من الأكواد، أو إعداد مسودات، أو تلخيص المعلومات، أو الرد على الاستفسارات المتكررة. هذه المهام أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي قادرة على تنفيذها بكفاءة متزايدة، مما قد يدفع الشركات إلى تقليل عدد الموظفين في المستويات المبتدئة والاحتفاظ بأصحاب الخبرات الذين يتولون القرارات المعقدة والمراجعة والمسؤولية.
لا يعني هذا بالضرورة تسريحاً جماعياً للموظفين، فالتقرير يوضح أننا ما زلنا في المراحل الأولى لهذا التحول. لكن القلق يكمن في أن وظائف البداية كانت تاريخياً هي البوابة الرئيسية لاكتساب الخبرة اللازمة للتقدم في المسار المهني. هذا التغيير دفع بعض الطلاب إلى التفكير في متابعة الدراسات العليا أو اختيار تخصصات تعتمد على التواصل البشري أو المهارات التي يصعب أتمتتها. كما يزداد التركيز على تعلم كيفية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بدلاً من التنافس معها مباشرة.
يبقى التحدي الأكبر هو أن الشركات نفسها لم تحسم بعد الصورة الكاملة للوظائف التي ستحتاجها في المستقبل. فبينما حذر الرئيس التنفيذي لشركة Anthropic، داريو أموداي، من احتمال تأثر كبير لوظائف المبتدئين المكتبية، ترى شركات أخرى أن الذكاء الاصطناعي سيخلق أنواعاً جديدة من العمل. السؤال المطروح لا يتعلق فقط بعدد الوظائف التي قد تختفي، بل بالمسار الذي سيسلكه الشباب لاكتساب الخبرة في ظل انكماش وظائف البداية.