يثير مصطلح "العلمانية" في أذهان الكثيرين شعورًا بالريبة، لارتباطه بفكرة "فصل الدين عن الدولة"، إلا أن المفكر الراحل الدكتور زكي نجيب محمود يقدم رؤية عميقة لهذا المصطلح، داعيًا إلى فهمه بمعناه الأصيل الذي لا يتعارض مع جوهر ديننا الحنيف.
يرى الدكتور زكي نجيب محمود أن الكلمة الصحيحة هي "العَلْمانية" بفتح اللام، نسبة إلى "العالَم"، وتعني الاهتمام بالدنيا والإقبال عليها، وليس الانغماس فيها وإهمال الآخرة. ويؤكد أن هذه الفكرة لم تكن غريبة عن تاريخنا الإسلامي المزدهر، بل كانت سمة أساسية في عصور القوة الحضارية، مثل عصر الرشيد والمأمون، حيث ازدهرت الحياة الدنيا جنبًا إلى جنب مع الإبداع الثقافي والحضاري.
ويفرق الدكتور زكي بين "العَلْمانية" (بفتح اللام) وبين ما يروج له البعض باسم "العِلْمانية" (بكسر اللام) نسبة إلى "العلم". فالأخيرة، وإن كانت تدعو إلى العلم وهو أمر نجلّه ونحتفي به، إلا أن بعض دعاتها قد يحملون نوايا خبيثة، ويسعون لإقصاء الدين من حياتنا. هؤلاء هم من يجب محاربتهم، لا الدعوة إلى العلم نفسها.
ويشدد الدكتور زكي على أنه لا تعارض بين الدين والعلم، بل هما جناحان يحلق بهما الإنسان. فديننا الإسلامي لم ينهَ عن الاهتمام بالدنيا، بل حث عليه، كما يتجلى في تعاليم الرسول صلى الله عليه وسلم وتشريعات القرآن الكريم التي تدعو إلى العمل والسعي والازدهار. فالإسلام ليس رهبانية، بل هو دعوة للحياة المتوازنة، مع مراعاة الآخرة.
ويخلص الدكتور زكي نجيب محمود إلى أن العلمانية، بمعناها الصحيح، هي هضم التراث الإسلامي وفحصه بعمق للبناء عليه، وليست نفيه أو محوه. كما أنها لا تعني الأخذ الأعمى عن الحضارات الحديثة، بل تتطلب فحصًا وتأملًا فيما هو متاح. ويدعو إلى التوفيق بين أصالة تراثنا وبين متطلبات العصر، مستشهدًا بنماذج فكرية عظيمة مثل الدكتور طه حسين والشيخ مصطفى عبد الرازق، الذين جمعوا بين فهم التراث وروحه.
في النهاية، لا يهم الاسم الذي نطلقه على هذه الدعوة، سواء كانت "العَلْمانية" بفتح اللام أو "العِلْمانية" بكسرها، فالمعنى الأصيل هو الاهتمام بالعالم أو بالعلم، وكلاهما أمر حث عليه ديننا. فالمسلم مدعو للسعي في الأرض وابتغاء فضل الله، ولطلب العلم الذي به تنهض الأمم. إن محاربة من يحملون فكرًا متطرفًا باسم العلم، لا تعني محاربة العلم أو الدعوة إلى الاهتمام بعالمنا الذي نعيش فيه.