ملحمة جلجامش: رحلة عبر الزمن والخلود في ثوب أدبي جديد

ملحمة جلجامش: رحلة عبر الزمن والخلود في ثوب أدبي جديد

معين برس- ثقافة: - منذ ساعة

يقدم شاعر البلاط الملكي، سايمون أرميتاج، رؤيةً نابضة بالحياة لمغامرات البطل الأسطوري جلجامش، في عمل أدبي يجمع بين عراقة بلاد الرافدين القديمة وروح العصر الحديث. يستعرض الكتاب، الذي يحمل اسم "جلجامش"، جوانب متعددة من هذه الملحمة الخالدة، مسلطاً الضوء على الصراعات الإنسانية العميقة والموضوعات التي لا تزال تتردد أصداؤها حتى يومنا هذا.

على الرغم من أن منصب شاعر البلاط الملكي لا يرتبط بمهام محددة، إلا أن أرميتاج، الذي يتقاضى راتباً سنوياً ويحظى بامتيازات رمزية، قد أثبت قدرته على التعبير عن روح عصره من خلال قصائده في المناسبات الملكية. لكن في "جلجامش"، يتجاوز أرميتاج هذه الأدوار التقليدية ليغوص في أعماق السرد، مقدماً ملحمة تتناول، ولو جزئياً، تجاوزات السلطة الملكية. تعود هذه التحفة الأدبية إلى بلاد الرافدين، قبل ما لا يقل عن 4000 عام، وتحكي قصة جلجامش، ملك أوروك نصف الإله، الذي استبد برعيته.

من بين ممارسات جلجامش الاستبدادية، كان "حق الليلة الأولى"، الذي منحه سلطة استغلال العرائس قبل أزواجهن. ولمواجهة هذا الطغيان، نسجت حكايات عن "إنكيدو"، الرجل البري الذي أصبح نداً لجلجامش. يتحول هذا الصراع الأولي بين البطلين إلى صداقة قوية، يخوضان معاً مغامرات خارقة، بما في ذلك معاركهما ضد حارس غابة الأرز "خمبابا" وثور السماء الذي أرسلته الإلهة عشتار. وبعد رحلة مليئة بالتحديات، وبموت رفيقه إنكيدو، ينطلق جلجامش في رحلة يائسة نحو أقاصي العالم بحثاً عن معنى الخلود.

يلفت أرميتاج انتباهنا في مقدمته إلى الصدى المعاصر للملحمة، بدءاً من صراحتها حول دور العاملات في الجنس، وصولاً إلى بعدها البيئي. وتُعد معركة البطلين ضد "خمبابا" استحضاراً لحروب الموارد المعاصرة، حيث أن المنطقة نفسها، التي شهدت نزاعات على الموارد في الماضي، تشهد اليوم صراعات على النفط، بدلاً من الأخشاب التي كانت عنصراً حيوياً للبناء في زمن الملحمة. وتتميز بعض المقاطع بثرائها الحسي، مما يجعل القارئ يشعر وكأنه يلمس ويذوق تفاصيل السرد.

إن التاريخ المجزأ لهذه القصيدة يمنحها طابعاً فريداً يجمع بين القدم والحداثة. وبينما تعود جذورها السومرية إلى حوالي عام 2000 قبل الميلاد، ظلت مفقودة حتى اكتشف علماء الآثار في القرن التاسع عشر أجزاءً من ألواح طينية بالخط المسماري. ومن بين هذه الاكتشافات، قصة جورج سميث، الذي كرس وقته لدراسة النقوش المسمارية في المتحف البريطاني، ليكتشف في النهاية لوحاً يصف طوفاناً عظيماً، ليصرخ في ذهول: "أنا أول إنسان يقرأ هذا النص بعد ألفي عام من النسيان!". هذا الاكتشاف، الذي يشبه قصة الطوفان في سفر التكوين، أحدث ضجة كبيرة في العصر الفيكتوري.