الأساطير اليونانية في قلب إبداعات آن كارسون: رحلة عبر الزمن والكلمات

الأساطير اليونانية في قلب إبداعات آن كارسون: رحلة عبر الزمن والكلمات

معين برس- ثقافة: - منذ ساعة

تنسج الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون خيوطًا ذهبية من الأساطير اليونانية القديمة في نسيج أعمالها الأدبية المعاصرة، لتمنح شخصيات وحكايات عمرها آلاف السنين روحًا جديدة تتناول قضايا الحب والفقد والهوية الإنسانية. لقد أصبحت الأسطورة عنصرًا جوهريًا في تجربتها الأدبية، رابطةً بين عراقة التراث الكلاسيكي وحداثة أساليب الكتابة، لتُثري بذلك المشهد الثقافي بجوهرة فريدة.

لم يكن اهتمام كارسون، الحائزة على جائزة نوبل في الأدب، بالأساطير اليونانية وليد الصدفة، بل نابع من شغف عميق ودراسة أكاديمية متعمقة للغات والنصوص اليونانية القديمة. لقد غاصت في بحر الأدب الكلاسيكي، مستلهمةً منه شخصيات وأحداثًا أعادت صياغتها ببراعة في أعمال روائية وشعرية ومسرحية. ومن أبرز الأمثلة على ذلك روايتها الشعرية "سيرة ذاتية للأحمر"، التي أعادت تقديم أسطورة يونانية قديمة في قالب حكاية معاصرة عن النضج واكتشاف الذات، وهو نهجٌ تجلى أيضًا في أعمال أخرى مثل "أنتيغونيك" و"نورما جين بيكر الطروادية".

تتجلى العلاقة الوثيقة بين كارسون والأدب اليوناني في روايتها "سيرة ذاتية للأحمر"، الصادرة عام 1998. هنا، تستلهم الكاتبة من أسطورة جيريون، الوحش المرتبط بقصص هرقل، لكنها تقدمه بصورة مبتكرة: فتى أحمر بجناحين يعيش في عالمنا المعاصر، يواجه تحديات الأسرة والحب والبحث عن الهوية. تتحول المواجهة الأسطورية بين جيريون وهرقل إلى علاقة عاطفية معقدة، تكشف عن رغبات وانكسارات إنسانية. تحتفظ الرواية ببعض السمات الأسطورية، كالأحمر والجناحين، لكنها تمنح جيريون حياة جديدة مليئة بالتجارب الإنسانية المعاصرة، ليصبح رمزًا للشعور بالاختلاف والسعي نحو إيجاد مكان في العالم.

لم تقتصر إعادة قراءة كارسون للأساطير على الرواية، بل امتدت إلى المسرح والشعر. في عملها "أنتيغونيك" (2012)، أعادت تقديم مأساة "أنتيغونا" لسوفوكليس بلغة معاصرة، محافظةً على الصراع الأساسي بين السلطة والواجب الأخلاقي، ومزجت بين النص الأدبي والعناصر البصرية والفنية. أما مسرحيتها "نورما جين بيكر الطروادية" (2019)، فتجمع ببراعة بين هيلين الطروادية الأسطورية والنجمة مارلين مونرو، لتستكشف صورة المرأة في المجتمع وعلاقة الجمال بالشهرة والهوية.

في كتابها "إيروس: الحلو/المر" (1986)، تتعمق كارسون في مفهوم الحب والرغبة في الفلسفة والشعر اليوناني القديم، مستعينةً بنصوص سافو وغيرهم، لتصف الحب كتجربة تحتضن الحلاوة والمرارة معًا. كما قدمت ترجمات لشعر سافو في كتاب "إن لم يكن، فالشتاء" (2002)، محافظةً على طبيعة النصوص المجزأة، وكشفت في "دروس الحزن" (2006) عن ترجمتها لأربع مسرحيات ليوربيديس، مستكشفةً موضوعات الموت والحزن والعلاقات الأسرية.

إن أعمال آن كارسون ليست مجرد إعادة سرد للأساطير، بل هي مشروع أدبي يتجاوز الزمن، يعيد قراءة النصوص القديمة وتأويلها، ويستكشف إمكاناتها المتجددة. لقد أثبتت كارسون أن الأساطير اليونانية، برغم قدمها، تظل مصدرًا حيًا للتساؤلات الإنسانية، وأنها قادرة على اكتساب معانٍ جديدة مع كل عصر وطريقة كتابة، لتؤكد على قوة الأدب في ربط الماضي بالحاضر والمستقبل.