في لحظة تاريخية لا تُنسى، انطلقت شرارة حرب أكتوبر المجيدة في تمام الساعة الثانية وخمس دقائق من ظهر يوم السبت السادس من أكتوبر عام 1973، لم يكن هذا التوقيت مجرد اختيار اعتباطي، بل كان نتاج دراسات عسكرية معمقة، وحسابات دقيقة جمعت بين طبيعة الأرض، وضوء الشمس، وحركة المد والجزر، وحتى ظروف الجبهتين المصرية والسورية.
كان اختيار هذا التوقيت المحدد، والذي قد يبدو غير مألوف لبدء هجوم واسع النطاق، استراتيجية محكمة تهدف إلى تحقيق أقصى استفادة ممكنة للقوات المصرية، وفي الوقت ذاته، وضع العدو الإسرائيلي في موقف صعب. فقد تضمنت الدراسات العسكرية التي أشرف عليها شخصيات بارزة مثل الفريق سعد الدين الشاذلي والمشير محمد عبد الغني الجمسي، تحليلًا شاملاً للعوامل الطبيعية والبشرية. لم يقتصر الأمر على اختيار يوم، بل امتد ليشمل أدق تفاصيل الساعة، بهدف خلق ظروف مثالية للعبور المفاجئ للقناة، مع تقليل تعرض القوات المصرية للخطر.
كانت القيادة المصرية تسعى لتحقيق توازن دقيق؛ فمن ناحية، احتاجت القوات إلى ضوء النهار الكافي لتنفيذ الضربة الجوية الأولى والتمهيد المدفعي، وبدء عبور المشاة. ومن ناحية أخرى، كان حلول الظلام بعد ذلك بوقت مناسب أمرًا حيويًا لتمكين وحدات المهندسين من العمل على فتح الساتر الترابي وإقامة الكباري، وهي مهام حرجة كان من الأفضل إنجازها تحت جنح الظلام لتقليل تعرضها لطيران العدو. وفي الوقت نفسه، كانت القيادة السورية تفضل بدء الهجوم في وقت مبكر من النهار للحصول على ساعات أطول للعمل في جبهة الجولان. هذا الاختلاف في الاحتياجات بين الجبهتين أدى إلى البحث عن حل وسط، وهو ما تمثل في اختيار الساعة الثانية ظهرًا.
لم تكن الحسابات مقتصرة على ضوء النهار والظلام، بل امتدت لتشمل اتجاه الشمس. فبدء الهجوم بعد الظهر يعني أن الشمس تكون في الغرب، أي خلف القوات المصرية المتقدمة شرقًا، بينما تواجه القوات الإسرائيلية المدافعة الشمس بشكل مباشر، مما يمنح الجنود المصريين أفضلية نسبية في الرؤية. كما أخذت الحسابات في الاعتبار حركة المد والجزر، وطول الليل، وحالة القمر، وظروف الطقس، وطبيعة الأرض، وكلها عوامل تؤثر بشكل مباشر على نجاح عمليات عبور الآلاف من الجنود والمعدات الثقيلة. حتى أن ليلة العاشر من رمضان، التي تزامنت مع الهجوم، كانت مناسبة من حيث الإضاءة القمرية التي تساعد في عمليات الإنشاء وحركة القوات بعد حلول الظلام.
إن اختيار يوم السادس من أكتوبر لم يكن عشوائيًا أيضًا؛ فقد تزامن مع "يوم كيبور"، عيد الغفران اليهودي، وهو يوم كان فيه الجيش الإسرائيلي يعتمد بشكل كبير على قوات الاحتياط، مما يزيد من عنصر المفاجأة. هذا التوقيت الاستراتيجي، الذي جمع بين الحسابات العسكرية الدقيقة، والظروف الطبيعية الملائمة، وعامل المفاجأة، هو ما جعل الساعة الثانية ظهرًا نقطة التقاء لمجموعة معقدة من العوامل التي ساهمت في نجاح هذه المعركة الفاصلة في تاريخ مصر الحديث.