"الرسوم التعويضية".. عبء على المستهلك أم خطوة أولى لتعزيز الأمن الغذائي؟

"الرسوم التعويضية".. عبء على المستهلك أم خطوة أولى لتعزيز الأمن الغذائي؟

معين برس - منذ 4 أشهر

أثار قرار وزارة الصناعة والتجارة في عدن بفرض رسوم تعويضية بنسبة 20% على واردات الدقيق ومياه الشرب جدلا واسعا في الأوساط الشعبية والاقتصادية، فبينما يرى مراقبون هذا الإجراء خطوة استراتيجية ملحة تأتي امتدادا للحراك التنموي الذي دشن بـ "المعرض الأول للمنتجات والصناعة الوطنية" في يوليو الماضي وعكس رغبة حكومية جادة في إحياء الإنتاج المحلي وبناء شراكة حقيقية مع القطاع الخاص، تلوح في الأفق مخاوف شعبية واقتصادية متصاعدة من تبعات القرار على الأسعار في ظل عدم قدرة البديل المحلي الجاهز على سد الفجوة والاستجابة لمتطلبات السوق الحالية.

أبعاد سيادية وحمائية

وفي قراءة أعمق يمكن القول إن هناك أبعادا سيادية للقرار تتخطى مجرد العائد الجمركي التقليدي لتصبح خط دفاع أول في مواجهة سياسات الإغراق السلعي الذي بات يهدد بتبديد الأصول الإنتاجية وتشريد العمالة المحلية جراء المنافسة غير المتكافئة، وتكمن القيمة الحقيقية للقرار في إعادة هندسة منظومة الاستيراد عبر الفصل البنيوي الحاسم بين مسارين اقتصاديين؛ المسار الأول استراتيجي ويركز على دعم المدخلات والمواد الخام التي تحرك عجلات اللوجستيات والطاقة وتؤمن صمود وموثوقية المطاحن المحلية، والمسار الثاني حمائي يضع قيودا صارمة على المنتج الجاهز المعبأ خارجيا والذي يتسبب استمراره في نزيف مستمر للعملة الصعبة الشحيحة وترحيل الوظائف الوطنية إلى الخارج بدلا من توطينها لدعم الاقتصاد المحلي وتحقيق الاستقرار الاستثماري.كما أن هناك حزمة تدابير موازية للقرار من شأنها تجاوز عقبات التشغيل تشمل الشراكة مع القطاع الخاص لضمان توفير بدائل محلية بجودة عالية وأسعار عادلة، وتحفيز المصانع لرفع طاقتها الإنتاجية وتغطية احتياجات السوق، مع تفعيل الرقابة الميدانية لوزارة الصناعة والتجارة لضبط الأسعار ومكافحة الاحتكار حماية للمستهلك من أي استغلال.

صوامع الغلال والأمن الغذائي

وبلوح الاهتمام المتزايد بالبنية التحتية، يمكن القول إن الإجراءات المتخذة اليوم تمثل حائط صد استراتيجي لتأمين استقرار صوامع الغلال التابعة للمطاحن الوطنية التسع، على اعتبار أن صمود هذه المنشآت الضخمة هو الضامن الفعلي الوحيد لاستمرار عمليات استيراد وتخزين الحبوب بكميات كافية، وفي المقابل فإن التوقف والانهيار يعني ارتهانا كليا ومباشرا للمستورد الجاهز وهو ما يعد خيارا انتحاريا وسط بيئة جيوسياسية دولية شديدة الاضطراب، أثبتت فيها أزمات الشحن البحري المتلاحقة أن مستوردي السلع الجاهزة هم أول من ينسحب من الأسواق عند اشتداد الأزمات، نظرا لعدم امتلاكهم أصولا رأسمالية أو بنية تحتية يخشون خسارتها في الميدان.

لقد أثبتت تجارب الدول التي تبنت خيار التوطين الإنتاجي قدرتها العالية على تحقيق الاستقلال الاقتصادي الفعلي والتحرر من التبعية الخارجية، وعليه فإن اليمن يقف اليوم أمام فرصة تاريخية لتصحيح مساره الاقتصادي الهيكلي، الأمر الذي يتطلب بالضرورة توحيد الإرادة الرسمية مع الوعي الشعبي وتعميق تفاعل القطاع الخاص، كون توطين الإنتاج يمثل في جوهره مسؤولية جماعية تضامنية تبدأ من سلوك المستهلك الواعي وتنتهي بقرار المستثمر الاستراتيجي الشجاع.