مصطفى محمود
في قلب الجرح اليمنيّ، تقف تعز كجرحٍ لا يندمل. لا لأن الحرب غادرتها، بل لأنها لم تغادرها أبدًا. ليست مجرد مدينةٍ محاصَرة، بل فكرةٌ مُحاصَرة. مدينةٌ تعيش على حافّة الزمن، لا هي حيّةٌ تمامًا، ولا ميّتةٌ تمامًا، لا منتصرةٌ ولا مهزومة، لا مستسلمةٌ ولا منتصره.
كانت تعز يومًا ما قِبلةَ الفكر ومرآةَ الحلم الجمهوريّ، أما اليوم، فقد صارت مختبرًا مفتوحًا للأسئلة القاسية: ماذا يحدث حين تُخنَق المدينة التي أرادت أن تكون الذاكرةَ والعقلَ معًا؟ ماذا يبقى من الإنسان حين تُستنزَف الجغرافيا، وتتآكل الكرامة، وتُخدَّر الروح؟
الجغرافيا لا تفسّر تعز، لكنّ تعز تُجبرك أن تبدأ منها. مدينةٌ بُنيت على القمم، وتوزّعت على المنحدرات، كأنها خُلقت لتُقاوم. كل شبرٍ فيها يشبه فكرةً تنزلق لكنّها لا تسقط. لكنّ العلوّ لا يصنع النصر دائمًا، أحيانًا يصنع العزلة.
تعز لا تُحتلّ بالطريقة التقليدية، فهي لا تسقط عسكريًّا، بل يُحاصَر وعيها، يُخنَق خطابها، تُدفَن معاناتها إبداعاتها. لهذا كان حصارها الأطول ليس خارجيًّا فحسب، بل داخليًّا أيضًا: حصارُ الماء والعيش وجشع المؤجرين حصار الكلمة، والموقف، والحلم. حصارُ الحياة نفسها.
تعز مدينة تحترق… لكن ببطء
كل المدن التي سقطت، سقطت مرّةً واحدة. أما تعز، تسقط يومًا بعد يوم بالعطش والجوع والحرمان، تُجلَد بالكلمة وبالسيف معًا. سُمّيت "المدينة المحاصَرة"، لكنّ أحدًا لم يسأل: لماذا لا تُفتَح أبوابها رغم أن العالم يعرف الطريق؟ لماذا تُترَك الجبهات حولها كأنها خطّ تماسٍ أبديّ؟ لماذا يُختطَف صوتُها لصالح مشاريعٍ لا تشبهها؟تعز احترقت ببطء… لأن الكل قرّر قتلها، ولأن الجميع قرّر أن يتركها تحتضر وحدها.
في تعز، لا تحارب البنادق وحدها، بل يحارب الإنسان نفسه كي لا ينسى ما كان وماهو عليه. هذا هو الألم الأصعب: أن تعيش في مدينةٍ كانت تصنع النخبة، فتحوّلت إلى فضاءٍ للعطش والجوع والظلام وجشع المؤجرين ، حيث تتصارع الاستقطابات السياسية وتزخر التبعية، ويغيب الحلم.
تعز لا تحارب الحوثيّ فحسب، بل تحارب العطش والنسيان، والبؤس، وخيانة الابناء وخذلان الاصدقاء وغدر الحلفاء. تحارب أن تُختزَل إلى نقطة تماس، أو إلى معركةٍ بلا نهاية.
رغم كلّ هذا، تعز لا تموت. تختنق، لكنّها تتنفّس من حروف أبنائها. تعطش وتجوع، لكنّها تكتب. تتألّم، لكنّها تُعلّم.
تعز لا تحتاج إلى تحريرٍ عسكريّ فحسب، بل إلى تحريرٍ رمزيّ، أخلاقيّ، معرفيّ. تحريرٍ من ثقل الدور المسروق، ومن تحالفاتٍ لا ترى فيها إلا رقمًا في المعادلة، ومن قوى لا تسمح لها أن تكون ما هي عليه: صوتًا جمهوريًّا حرًّا، لا تابعًا صامتًا.
العبور في تعز لن يكون من جبلٍ إلى سهل، ولا من حصارٍ إلى اتفاق. بل من زمن الخوف إلى زمن استعادة المعنى.
تعز مدينة المستقبل المؤجّل..رفضت أن تكون "عاصمةً تحت الطلب"، أو "جبهةً مقاتلةً" بلا ضمير. لكنّها دُفِعَت لتدفع ثمنًا أكبر من الجميع: ثمن الكبرياء، والاستقلال، والاحتفاظ بالذاكرة.
لا تطلب انتقامًا، بل اعترافًا. لا تطلب إنقاذًا، بل إنصافًا. مدينةٌ بهذه العظمة لا تستحقّ أن تُرمى في الهامش، ولا أن يُداس تاريخُها بأقدام العابرين وبعص ابناءها في زمن الاضطراب.
في الختام ـ تعز كضميرٍ مؤجّل..ربما كان قدر تعز أن تدفع الثمن دائمًا، أن تُحاصَر ثم يُطلَب منها أن تحتفل، أن تنزف ثم تُتّهم بألمناطقيه والعنصريه بل إنها لم تكن وطنيّةً بما يكفي.
لكنّ العبور الحقيقيّ يبدأ من المدن التي لم تنكسر، حتى لو انكسر كلّ شيء حولها. ولهذا، ربما تكون تعز أوّل من يعبر… لا لأنها الأقوى، بل لأنها الأصدق.
15 يوليو 2025