الولاية بين المفهوم النبوي والاستغلال الشيعي

الولاية بين المفهوم النبوي والاستغلال الشيعي

معين برس - منذ سنة

شايع الحميري

لقد كان مفهوم الولاية في الإسلام، كما ورد في الأحاديث النبوية، تعبيرًا روحيًا وعاطفيًا عن المحبة والولاء والمعية في الدين، لا مشروعًا سياسيًا ولا تفويضًا سلطويًا. حين قال النبي محمد ﷺ في غدير خم: "من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه"، لم يكن يقيم نظامًا للحكم ولا يعيّن خليفة سياسيًا، بل كان يؤكد مكانة الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قلوب المسلمين بعد حادثة وقعت في اليمن، حيث اشتكى بعض الجنود من شدّته عليهم، فأراد النبي أن يبيّن منزلته، وأنه لا يُنتقص من فضله وشرفه وولائه للدعوة، فجاء هذا الحديث ليحسم الخلاف في الميدان الأخلاقي، لا السياسي. لكن بعد وفاة النبي، ظهرت قراءات انتقائية للنصوص، خاصة لدى بعض التيارات التي شعرت بالتهميش السياسي أو خسارة النفوذ، فتحوّل حديث الولاء إلى أساس لتشييد نظرية كاملة عن الخلافة، وهي النظرية التي روجت لها الجماعات الشيعية لاحقًا، مدعية أن عليًا رضي الله عنه قد نُصّب خليفة من قِبل النبي بتوجيه إلهي، وأن الإمامة ليست خيارًا بشريًا ولا شورى بل "نصًا إلهيًا"، وبالتالي فكل خلافة تمت بغير طريق النص – وفق تصورهم – باطلة أو مغتصبة. هذه الفكرة لم تكن في زمن الخلفاء الراشدين، بل نضجت في عصور لاحقة كنتاج سياسي واجتماعي لمعارضة الحكم الأموي والعباسي، ثم تحولت تدريجيًا إلى عقيدة دينية غير قابلة للنقاش.

ومع تقلبات التاريخ، تطور المفهوم من الإمامة الدينية إلى ولاية ذات طبيعة شمولية، حتى بلغ ذروته في العصر الحديث على يد الخميني، حين صاغ نظرية "ولاية الفقيه"، والتي أعادت تشكيل الفقه السياسي الشيعي وجعلت الفقيه نائبًا للإمام الغائب، يمتلك سلطات مطلقة باسم الغيبة الكبرى. وهنا يظهر استغلال بالغ الخطورة لحديث نبوي كان في الأصل تعبيرًا عن الحب والاحترام، لا سلطة وتفويض، إذ جرى تفريغ النص من روحه، وتحويله إلى أداة للحكم والسيطرة وبسط النفوذ باسم الدين. فالولاية التي بشر بها النبي ﷺ كانت وِدًّا وتكاملًا بين القلوب، لا قيدًا على الأعناق، ولم تكن أبدًا سبيلًا إلى الاستبداد، بل كانت دعوة للاعتراف بالفضل، لا لإقامة سلالات حاكمة تدّعي العصمة واحتكار الحقيقة.

الشيعة في مشروعهم السياسي، وتحديدًا في التجربة الإيرانية، لم يكتفوا بالاستناد إلى الحديث، بل جعلوه محورًا للشرعية، وبنوا حوله منظومة حكم لا تقوم على الشورى، بل على الخضوع المطلق لـ"ولي الأمر الإلهي"، أي الفقيه الذي ينوب عن الإمام المعصوم. هذا الفقيه يملك شرعية دينية تعلو على الدساتير، وتُطاع أوامره كأنها وحي، وهو ما يضعف الأمة ويفرغ الدين من جوهره، فيجعل من الإسلام وسيلة للسلطة لا لبناء الإنسان. وما يجعل المفارقة مؤلمة أن النبي محمدًا ﷺ، الذي كان أعظم حاكم وأرحم قائد، لم يفرض حكمه بالقوة، ولم يورّث أحدًا، بل مات ودرعه مرهونة، وترك أمر الأمة شورى بينها، لتختار الأصلح وتتحمل المسؤولية، بينما نرى في ولاية الفقيه نموذجًا يتناقض تمامًا مع هذا المبدأ، حيث لا مكان للشعب، ولا للشورى، بل لطبقة دينية مقدسة تحكم باسم الله، وتُخضع الناس بسلطان الغيب.

إن الفرق الجوهري بين الولاية التي أرادها النبي، وتلك التي بنتها التيارات الشيعية، هو الفرق بين الحب والإكراه، بين التزكية والإلزام، بين التقدير والتمكين القسري. الأولى نور أخلاقي يربط القلوب، والثانية بناء أيديولوجي مغلق يُستخدم لفرض الهيمنة باسم القداسة. ومهما حاولت التيارات الشيعية أن تُلبس مشروعها لبوس الدين، فإن الوعي التاريخي والفهم الصادق لنصوص الإسلام يكشفان أن هذا المشروع لم يكن إلا اجتهادًا سياسيًا تحوّل إلى عقيدة مغلقة، وتسلط مغطى بعباءة حديث لم يُرِد منه النبي إلا الرفق والمحبة. هكذا يتحول الدين حين يُستغل في السياسة: من نور هادٍ إلى سوطٍ في يد الحاكم.