اللعنة اليمانية.. حين يُعيد التاريخ إنتاج نفسه بلا وعي وطني

اللعنة اليمانية.. حين يُعيد التاريخ إنتاج نفسه بلا وعي وطني

معين برس - منذ سنة

مصطفى محمود

في اليمن، لا تُطوى الصفحات، بل يُعاد تدوين التاريخ بالحبر ذاته، وإن تغيّر الخط. لا يُهزم الظالم، بل يُستبدل وجه الطغيان بآخر، ولهجة الاستبداد بشعار جديد. ليست المشكلة في الحاكم، بل في بنية الوعي التي تحوّل كل محاولة للخلاص إلى تكرار مأساوي، حيث تصبح الثورة نواة لطغيان جديد، والانتفاضة محطة للندم. ،

لكن، هل الأمر مجرد أزمة سياسية؟ أم أن اليمن يحمل لعنة بنيوية، لا تكمن في سطح السياسة بل في عمق الروح، في نسيج العلاقة بين الفرد والجماعة،بين المجتمع والدولة، بين الماضي والمستقبل؟

« بين الدولة التي لم تولد، والماضي الذي لا يموت»ليست اليمن دولة فاشلة، بل لم تكن يومًا دولة مكتملة. الكيان الذي يُسمى "الدولة اليمنية" لم يكن أكثر من قشرة شكلانية تخفي فراغًا سياسيًا هائلًا. منذ قرون، لم تُبْنَ في اليمن بنية وطنية متماسكة. كانت السلطة إما سُلالية تتذرع بالنسب الإلهي، أو سلطنات وقبليات تستمد شرعيتها من القوة، أو إمامة تخلط بين الدين والسلاح. لا عقد اجتماعي، بل صراع الغلبة.

الماضي اليمني ليس مجرد سجل تاريخي، بل سلطة حية. السلالة لا تزال تتحدث باسم الله، القبيلة لا تزال ترى نفسها دولة داخل الدولة، والحاكم لا يزال يحكم وكأنه ظلٌ للضرورة أو امتدادٌ لحقبة مغلقة. هكذا يتشوّه الحاضر، وتجمد لحظة التأسيس إلى الأبد.

«اللا-مركزية النفسية: وطن بلا قلب.» ليست المشكلة فقط في غياب الدولة، بل في غياب المركز الرمزي الذي يوحّد الوعي اليمني. لا توجد "عاصمة شعورية" لهذا الوطن. صنعاء غارقة في نفسها، وعدن تعيش وهم القطيعة، وتعز مأخوذة بدورها كضحية التأمر ، ومأرب تحارب من الجمهوريه دون أن تمتلك خطابًا يتجاوز الجغرافيا. ـ كل مدينة يمنيه نصف وطن، وكل جهة نصف هوية، ولهذا يبقى اليمن موزّعًا كخريطة لم تكتمل. ولأن المركز مفقود، تُملأ الهوية بالفراغ: السلالة، القبيلة، الجهة، كلها بدائل عن وطن لم يَتَكوَّن بعد.

«حين يكون العنف هو الوجود»في اليمن، السلاح لا يحمي الفكرة، بل يصنعها. من يحمل البندقية يُحسب، ومن يملك "قوة الأمر الواقع" يُسمى فاعلًا سياسيًا. أما من يسعى لإستعادة بناء تلدوله وينادي بالدستور، فيُنظر إليه كحالم لا يدرك قوانين اللعبة. في هذا السياق، العنف ليس وسيلة لتحقيق هدف، بل غاية في حد ذاته. إنه الأداة الوحيدة التي تمنح الاعتراف، ولهذا تختطف كل محاولة وطنية سريعًا، إذ يتلبس ثوار الأمس بلباس الطغيان، لا لأنهم فاسدون، بل لأن البنية لا تنتج غير هذا المسار.

«اللاوعي الجمعي الذي يخشى الحرية» هناك ما هو أعمق من السياسة. في اللاوعي اليمني، الحرية ليست حلمًا واضحًا، بل هاجس مربك. قرون من التسلط السلالي، القبلي، العسكري والحزبي، خلقت بنية نفسية تخشى الفراغ وتستأنس بالقيد. لهذا، حين تسقط سلطة، لا تنهض الحرية، بل يُطلب بديل سريعًا، بأي ثمن.

لقد ربّى الخوف أجيالًا ترى الدولة الحديثة مؤامرة، والمساواة خروجًا عن التراتبية، والحرية فوضى. ومن دون تفكيك هذا اللاوعي، سيظل اليمن يدور حول ذاته ككوكب تائه.

« سؤال النهاية: هل يمكن لليمن أن يولد؟» قد تبدو هذه اللعنة اليمانية قدرًا نفسيًا-تاريخيًا، لكنها ليست حتمية. كل بنية قابلة لإعادة التشكل إذا توفرت لها شروط الوعي والانفصال عن الماضي كقدر. لكن ذلك لن يحدث بخطاب وطني تقليدي، بل بثورة فكرية-روحية تخلخل المسلمات: مسلمات السلالة، القبيلة، الطائفة، والمركز.

اليمن لا يحتاج إلى بطل، بل إلى تفكيك البطولة نفسها. لا يحتاج إلى رمز جديد، بل إلى كسر منطق الرمز. لا يحتاج إلى ثورة جديدة، بل إلى نقد جذري لفكرة الثورة بوصفها دورة تعيد إنتاج العنف. حينها فقط، قد تبدأ لعنة اليمن في الانحسار…